الغزالي
200
إحياء علوم الدين
خاتمة ( لهذا الباب ) نذكر فيها جملة من آداب العشرة والمجالسة مع أصناف الخلق ، ملتقطة من كلام بعض الحكماء إن أردت حسن العشرة ، فالق صديقك وعدوّك بوجه الرضا من غير ذلة لهم ، ولا هيبة منهم . وتوقير من غير كبر ، وتواضع في غير مذلة . وكن في جميع أمورك في أوسطها . فكلا طرفي قصد الأمور ذميم . ولا تنظر في عطفيك ، ولا تكثر الالتفات ، ولا تقف على الجماعات . وإذا جلست فلا تستوفز . وتحفّظ من تشبيك أصابعك ، والعبث بلحيتك وخاتمك ، وتخليل أسنانك ، وإدخال أصبعك في أنفك ، وكثرة بصاقك وتنخمك ، وطرد الذباب من وجهك ، وكثرة التمطي والتثاؤب في وجوه الناس وفي الصلاة وغيرها . وليكن مجلسك هاديا ، وحديثك منظوما مرتبا . واصغ إلى الكلام الحسن ممن حدثك ، من غير إظهار تعجب مفرط . ولا تسأله إعادته . واسكت عن المضاحك والحكايات . ولا تحدث عن إعجابك بولدك ولا جاريتك ، ولا شعرك ولا تصنيفك وسائر ما يخصك . ولا تتصنع تصنع المرأة في التزين ، ولا تتبذل تبذل العبد ، وتوق كثرة الكحل ، والإسراف في الدهن ولا تلح في الحاجات ، ولا تشجع أحدا على الظلم ، ولا تعلم أهلك وولدك ، فضلا عن غيرهم مقدار مالك ، فإنهم إن رأوه قليلا هنت عندهم ، وإن كان كثيرا لم تبلغ قط رضاهم . وخوّفهم من غير عنف ، ولن لهم من غير ضعف . ولا تهازل أمتك ولا عبدك فيسقط وقارك . وإذا خاصمت فتوقر وتحفّظ من جهلك ، وتجنب عجلتك ، وتفكر في حجتك . ولا تكثر الإشارة بيديك ، ولا تكثر الالتفات إلى من وراءك ، ولا تجث على ركبتيك وإذا هدأ غيظك فتكلم . وإن قربك سلطان فكن منه على مثل حد السنان ، فإن استرسل إليك فلا تأمن انقلابه عليك ، وارفق به رفقك بالصبي ، وكلمه بما يشتهيه ما لم يكن معصية ، ولا يحملنك لطفه بك أن تدخل بينه وبين أهله وولده وحشمه ، وإن كنت لذلك مستحقا عنده ، فإن سقطة الداخل بين الملك وبين أهله سقطة لا تنعش ، وزلة لا تقال وإياك وصديق العافية ، فإنه أعدى الأعداء . ولا تجعل مالك أكرم من عرضك